السبت، 23 يناير، 2010

مئذنة في ريجنت باراك تأليف: ليلى أبو العلا




في رواية «المئذنة»، تتأرجح البطلة نجوى ، الشخصية الرئيسية بين مكانين رئيسيين، الخرطوم ولندن ، كذلك تتأرجح بين مشاعر كثيرة وذكريات تتوزع على جغرافيا غير متجانسة.
وفي كل من هاتين المحطتين لا يمكن إلا الجزم بأنها تعيش خارج إطار المكان. هنا تقدم الروائية السودانية المغتربة ليلى أبو العلا نموذجاً إضافياً واستثنائياً، ينضم إلى تلك النماذج التي عودتنا على تقديمها أقلام العديد من الكتاب العرب المهاجرين، من أوروبا وأميركا على وجه الخصوص، عند مناقشتها قضايا شخصيات تعاني من التمزق بسبب وقوعها تحت وطأة البحث عن هوية.
المئذنة، ثالث رواية للكاتبة بعد «المترجمة»، و«ألوان الطيف» يضاف إلى ذلك قصة «المتحف» التي فازت بجائزة كاين 2000 للإبداع الأفريقي.
تعالج هذه الرواية على نحو يتميز بالسلاسة وعدم التشنج مأساة بطلتها نجوى وهي امرأة أربعينية تعاني من الإحباط الشديد بسبب ما تتعرض له من صدمات، ربما كانت أهمها صدمة تنقلها بين الخرطوم ولندن حيث تنجح ليلى أبو العلا في حملنا للوقوف على تراجيديا إنسانية معاصرة وشاملة.
تبدأ أحداث الرواية بالعودة زمنياً إلى الوراء، إلى حقبة الثمانينيات، في الخرطوم، حيث تعيش نجوى وتنتمي إلى طبقة النخبة السياسية باعتبارها ابنة مسؤول سياسي مهم، مقرب إلى الرئيس. تمارس بطلة المئذنة، وهي طالبة جامعية، سلوكاً حياتياً يومياً مستوحى من علاقتها القوية بالغرب، لندن.
حيث تمضي إجازاتها الصيفية ثم تعود إلى بلادها لتنقطع علاقتها بالواقع المحلي. في الجامعة ترتبط بعلاقة حب بأحد زملائها، أنور، ومن خلال هذه العلاقة يكتشف القارئ جزءاً من شخصيته الراديكالية التي تزدري كل شيء بما في ذلك ممارسات حبيبته نجوى وممارسات أبيها السياسية التي يوجه لها انتقادات لاذعة في خطبه.
في انقلاب مفاجئ يلقى القبض على والد نجوى ثم ينتهي الأمر بإعدامه وفي هذه الأثناء تلوذ أسرته بالفرار إلى المنفى «لندن» لكي يشعر القارئ بأن المؤلفة تسدل الستار على مرحلة زمنية لن تعود إليها هذه الشخصية إلا في خيالها.
في لندن تقدم المؤلفة الجزء الثاني المهم من حياة بطلتها حيث يمكن اعتباره كذلك لأنها تبدو كمن يقف على مفترق طرق إضافة إلى أن هذه الجزئية تبدو مشحونة بكم أكبر من الصراع والعلاقة الموضوعية بالحياة على الرغم من تناقضاتها.
في دراما عائلية سريعة تنقل لنا ليلى صورة محزنة عن حياة الأسرة في المنفى. وتحت وطأة الشعور بالقهر تفقد نجوى أخاها الذي يزج به في السجن بعد سلسلة من المشكلات السلوكية من بينها الإدمان والمشاجرات .
ومنها مشاجرته الأخيرة مع رجال الشرطة. خلال فترة زمنية قياسية أيضاً تموت أمها التي كانت تصارع المرض لتجد نفسها وحيدة منقطعة الصلة عاجزة عن القيام بأي شيء سوى التفكير في الخلاص «لقد سقطت في هذا العالم. تزحلقت حتى وصلت إلى مكان ضيق تحت سقف منخفض لا يسمح بحرية الحركة».
في بداية رحلتها الصعبة تعمل نجوى خادمة ومربية لدى أسرة عربية مقيمة في لندن. في هذه الأثناء تأتي علاقتها بمستخدمتها كمنعطف طرق. فبينما هي في بيتها، تستحضر ذكرياتها في بلادها الأصلية وتتقاطع هذه الحالة مع حالة الحب التي تعيشها مع شقيق هذه المرأة. هنا تقدم المؤلفة مقارنة جميلة بين شخصيتي تامر حبيبها الحالي وأنور حبيبها السابق.
أنور كان يختلف معها بشكل راديكالي على الرغم من حبه لمظهرها الخارجي، هي وتامر يتفقان في الكثير من التوجهات الفكرية والحياتية. والحقيقة أن هذا الصراع الثقافي الحضاري يبدأ في حياة نجوى قبل وصولها إلى لندن.
ففي الخرطوم كان التقاطع بينها وبين الآخرين واضحاً. ثمة شعور بحالة من الاغتراب كان يلوح في الأفق. إذ أن الأمر لا يتعلق بخطيبها أنور المثقف اليساري وحده بل يتعدى ذلك ليشمل مجتمعاً بأكمله لم تكن تربطها به علاقة حميمية باعتبار أنها كانت قد وقعت تحت سيطرة الانبهار بالثقافة الغربية في كل تفاصيل حياتها.
أما استحضارها لذكريات حبها السابق فهذه واحدة من الاسترجاعات الكثيرة التي تقدمها لنا ليلى أبو العلا بجمالية ووصف رائعين، ولغة لا يمكن تجاهلها سواء في بنائها أو في قدرتها على الإمساك بالمضمون، حيث يسبقها استرجاع لشخصيات وأماكن وأحداث سياسية مهمة عاصرتها بطلتها في خرطوم الثمانينيات.
في أعمالها تهتم ليلى بمناقشة قضيتين مهمتين. قضية المرأة المسلمة المهاجرة إلى الغرب. وقضية الإنسان المغترب بوجه عام وإشكاليتها الحضارية. باعتبارهما تجربتين أحدهما لكل منهما ملمس خاص. وبشيء من الحذر تطل على كل منهما. الإطلالة على التجربتين تأتي في كل واحدة من روايتيها « المترجمة».
حيث بطلة الرواية سمر و«المئذنة»، نجوى، كل منهما تعيش في المنفى ثم تكتشف نفسها وتختبرها. هاتان الحياتان على الرغم من أنهما قد تتداخلان في ذهن القارئ باعتبار ان حياة كل بطلات ليلى أبو العلا تبدو متشابهة بالنظر إلى إشكالية الهوية والرغبة في الخلاص التي لا تتحقق إلا من خلال الدين.
إلا ان عدم التجزئية هذا يقابله نوع من الاختلاف في ذهن ليلى أبو العلا التي تعيش في قلب التجربة وتوافينا بتفاصيلها وهي تقف على أرض الواقع مؤكدة أنهما لا تمتزجان مع بعضهما إلى حد ضياع ملامح كل منهما في الأخرى.
وأن لكل واحدة منهما وجهها الخاص الواضح. حيث مقابل السذاجة التي تبدو على ملامح بطلة المترجمة تظهر نجوى في رواية «المئذنة» أكثر صلابة ورغبة في التخلص من صدمتها، صدمة المفاجأة بوجودها في مكان مختلف بكل المقاييس.
والإصرار على التمسك بهويتها الدينية. كما أن ليلى تبدو هنا أكثر تعاطفاً مع نجوى التي تصحح نفسها في النهاية، كما يظهر من قصة الحب التي تربطها بتامر. أما قضية الإنسان المغترب فهي تركز على معالجة قضية الانتماء. بمعنى الرغبة في الانتماء إلى المجتمع، مجتمع المنفى، الذي يعيش فيه وليس المجتمع الذي خرج منه بالتأكيد.
غير أن ما يطفو على السطح هو المعاناة من الحياة فيما يشبه المنفى بداخل المنفى. هنا تجسد معاناة نجوى مثالاً حياً.فبينما كانت تعيش في قلب حياتها الأولى في الخرطوم، ها هي الآن تعيش على هامش حياتها الثانية في لندن.هذا هو وضع بطلة رواية «المئذنة» التي تفيض عباراتها بمشاعر الاغتراب والعزلة والرغبة في التخلص من مأزقها تقول «لقد هبطت إلى جوف هذا العالم . انزلقت تحت سقف منخفض في مكان ضيق لا يسمح بحرية الحركة».إن هذا المكان الذي يشكل إطار المأزق الجغرافي والنفسي والثقافي يحتوي في داخله على تفاصيل تستحق التأمل حيث تعاني نجوى من انعدام فرص الحوار مع الآخر، لا احتكاك حقيقياً، لا صراع واضح المعالم، لا انتماء بمعنى الكلمة، وبدلاً من ذلك يلتقط القارئ جواً مشحوناً بالتقاطعات.
التقاطع العقائدي، التقاطع بين الثقافات والعزلة. وها هي امرأة في حالة انتظار لما يخبئه القدر لا تملك شيئاً سوى انفعالاتها. الكثير من هذه الانفعالات، التآسي على الماضي، الإحباط الناجم عن الفقد، فقد الوطن الأصلي، فقد المكانة الاجتماعية، فقد أفراد أسرتها وآخرهم أمها.
النقمة على الحياة التي هبطت لكي تصبح في قاعها. ثم الخوف مما يخبئه المستقبل، والحلم بالخلاص.ثم الاقتناع في النهاية بأن الوطن الأصلي لم تعد له ذات الأهمية وهذه ورطة أساسية.
شهدت السنوات الأخيرة من عمر الرواية (على مستوى العالم) تغيرات مهمة أولها ولادة نوع أدبي (فريد) على يد كتاب عرب وآسيويين وأفارقة مغتربين، الذين يكتبون باللغات الإنجليزية والفرنسية على وجه الخصوص. وعلى الرغم مما يوجه إلى هذا النوع من الكتابة من انتقادات تتعلق بافتقاده الهوية إلا أن ثمة ما يشير إلى هوية إنسانية شاملة تقف كوسيط بين أكثر من ثقافة.
ولو جاز لنا أن نسميه بالأدب (بالإبداع المهجن) فإن الإعجاب به سيكون هو ما ينبغي قوله هنا على الرغم من بعض التحفظات على كتابات معينة يبدو أصحابها للقارئ كما لو انهم متطفلون ! من بين الكتاب الذين يشاد بهم من الذين يطرحون تجاربهم الشخصية والتجربة الإنسانية بوجه عام الكتاب المسلمون الذين يعيشون في الغرب.
الواقع أن أصوات هؤلاء الكتاب لا تبدو على الإطلاق متشنجة أو متوغلة في صراعات وفلسفات سياسية وأخلاقية صعبة يبدون بعيدين عنها ولكنها تتمحور كلها حول الرغبة في وضع حد لحالة اللا إنتماء التي يعيشها هؤلاء في بلدانهم (بلدان المهجر). وهو أمر واقعي باعتبار أن ما ينقصهم هو هوية المكان الذي ينتمون إليه.
إن ليلى أبو العلا كما تقول محررة الغارديان «تمتلك العالم بين أناملها» ويضاف إلى ذلك قدرتها على تحريكه وإعادة رسمه بالكيفية التي تراها معبرة عن نفسها وعن الآخرين.
غير أن ما يهم القارئ أكثر من أي شئ آخر هو اكتشافها أو كشفها عن ذاتها على نحو شديد الوضوح.
حقائق عن ليلى أبو العلا:
ليلى أبو العلا روائية سودانية مهاجرة ولدت في الخرطوم عام 1964 وتعيش في بريطانيا، مولودة لأب سوداني وأم مصرية، عملت أستاذة جامعية. تلقت تعليمها الأساسي في مدارس أميركية خاصة، والعالي (شهادة الدكتوراه) في بريطانيا. تنقلت بين السودان وبين العديد من الدول منها مصر وإندونيسيا والإمارات ثم بريطانيا.
بالإضافة إلى حياتها في بريطانيا تعرف ليلى أبو العلا في الأوساط الثقافية الأفريقية، وتحديداً لدى كتاب ومؤسسات مثل جائزة الإبداع الأفريقي التي فازت بأول جائزة لها بعد تأسيسها عن قصة «المتحف». كما رشحت روايتها «المترجمة» 2001 للحصول على جائزة أورانج للإبداع الروائي النسائي.
تتميز أعمالها الروائية بتسليطها الضوء على حياة المهاجرين إلى الغرب والتركيز على المأزق الذي يواجه المرأة المسلمة المغتربة.
رواية «المئذنة» بلومزبري 2005 آخر أعمالها الروائية.
من أعمالها الروائية «ألوان الطيف» 2001.
حائزة على العديد من الجوائز الإبداعية. أعمالها مترجمة إلى العربية.

الكتاب: المئذنة
الناشر: دار بلومزبري ـ لندن 2005
الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط
كاتب وكتاب
الروائية السودانية ـ البريطانية ليلى أبوالعلا:الأقليات في بريطانيا أكثر ثقافة
نص حوار مع الروائية السودانية « ليلى ابو العلا » أجرته معها محررة صحيفة الغارديان اللندنية أنيتا سيث بالتزامن مع صدور روايتهاالثالثة «المئذنة» عن دار بلومزبري في لندن في هذا اللقاء توضح ليلى أبوالعلا الروائية الحائزة على جائزة«كين» للإبداع القصصي الأفريقي عام 2000 الأسباب التي تجعل هويتها الدينية أهم بالمقارنة بهويتها القومية.
ليلى أبو العلا تمتلك العالم بين أناملها. تقبض بإحكام على حقيبة يد مزينة برسم لخارطة أفريقيا، حيث ولدت، في الخرطوم سنة 1964 وكانت ابنة لأول عالمة ديمغرافيا في السودان . غير أن الحقيبة لا تبوح بأماكن أخرى كثيرة من العالم تشكل خارطة حياتها وإبداعها وتلقى الضوء على حالة التنقل التي عاشتها، بين القاهرة وجاكرتا، و دبي، ولندن ثم أبردين.
حوارها الهادئ الموسوم بالسلاسة والحيوية، مثل كتابتها، يشبه القفز الرشيق بين هذه البلاد والثقافات، يعج بما يمكن أن يضحك على المفارقات التي تمتلئ بها حياتها، مطعم بالحكايات. إلا أن عقيدتها الإسلامية كانت باستمرار الواحة الظليلة التي تحط فيها هذه القصص رحالها .
قصص ليلى أبوالعلا تتحدر من شعور قوي بقسوة الحياة في المنفى والاغتراب الجغرافي والثقافي وقد حازت أعمالها بدءاً بقصتها الفائزة بجائزة كين الأفريقية في دورتها الأولى «المتحف»، إلى روايتها الأولى «المترجمة»، التي ظهرت على قائمة الترشيحات لجائزة أورانج للرواية على إعجاب الروائيين الأفريقيين بن أوكري وجي.أم .كويتزي.
روايتها الثانية، «المئذنة» تلقي الضوء على حالة الانتكاس التي تسيطر على حياة بطلتها «نجوى»، المرأة السودانية التي يجبرها انقلاب مفاجئ على مغادرة بلادها والعيش في المنفى، في بريطانيا .
تتوزع أحداث الرواية على مرحلتين زمنيتين مختلفتين الأولى في الماضي في خرطوم ثمانينيات القرن المنصرم حيث كانت تعيش بطلتها نجوى تحت الأضواء والثانية في الحاضر حيث تعيش بصمت «تتحرك في الظل».
والواقع أن ليلى أبو العلا تقدم في هذه الرواية وجهة نظر حول المسلمة التي تعيش في لندن تبدو مختلفة تماماً عن تلك التي قدمتها في السابق مونيكا علي في روايتها «بروكلين». حيث عوضاً عن التوق إلى احتضان الثقافة الغربية، تفتش نساء روايتها عن العزاء في هوياتهن الدينية الآخذة في النمو.
لكن ما الذي تعنيه الهوية الدينية بالنسبة لها ؟
تجيب «الواقع أن كلاً من جدتي وأمي كانتا قد لعبتا دوراً مهما في تقوية هذا الشعور في داخلي ولذا فقد كنت أنظر إليه كشيء في غاية الخصوصية، شئ شخصي. إضافة إلى أنهما كانتا في الوقت ذاته امرأتين تقدميتين .
درست جدتي الطب في الأربعينيات، وهو من الأشياء نادرة الحدوث في مصر في تلك المرحلة، أما أمي فقد كانت أستاذة جامعية، وبالتالي فإن وجهة نظري المتعلقة بالدين لم تتعلق بعدم خروج المرأة إلى العمل أو بارتدائها زياً بعينه؛ الواقع أن لها علاقة أكبر بالإيمان».
غير أن التعبير عن هذا الإيمان لم يكن قد حدث قبل وصولها إلى بريطانيا، لنيل شهادة الدكتوراه، هنا تولد لديها الإحساس بالقدرة على القيام بذلك.
تقول «على الرغم من نشأتي في بيئة متشربة بالمبادئ الغربية إضافة إلى دراستي في إحدى المدارس الأمريكية الخاصة، إلا أنني كنت خجولة، وهادئة وكنت أفكر في ارتداء الحجاب لكن لم تكن لدي الشجاعة الكافية لمواجهة الأصدقاء». في لندن، لم تكن معروفة لدى الآخرين فساعدها ذلك على المضي في الفكرة:
لم أكن أعرف أحداً. كان ذلك في سنة 1989 ولم تكن كلمة «مسلم» مستخدمة حتى في ذلك الوقت؛ كان الناس مثلنا إما من السود أو الآسيويين. وهكذا فقد كنت أشعر بفائض من الحرية بالنسبة لما يتعلق بارتداء الحجاب.
وبالتالي فقد أتيح للمرأة المسلمة أن تنعم بالمزيد من الحرية في بريطانيا، ما كان يسمح لها بالتعبير عن شعورها الديني. أوه، بكل تأكيد . تضيف ضاحكة «غير أنه كان يتحتم عليك أن تحدد في ذلك الوقت ما الذي ينبغي لك القيام به وأنت تتمتع بهذا القدر من الحرية». كان بمقدورك أن تفعل كل ما تريد، وعليه فقد فضلت أن أكون متدينة».
ولكن لماذا؟ « لقد كنت أميل إلى ذلك في الواقع إلا أن الظروف لم تكن مساعدة على تنمية هذا الميل. في بريطانيا، أصبح بإمكاني دخول المسجد، كما أن الصدمة التي كنت أعاني منها جراء الشعور بأن هناك حياة قد انتهت وأن حياة أخرى قد بدأت كانت تسيطر علي. كان ذلك ما جعلني أدرك ما تعنيه ولادة الإنسان مرة ثانية.
الرواية مليئة بالشعور المفاجئ بالصدمة الذي تعاني منه بطلتها نجوى جراء انفصالها عن الأماكن والأشخاص الذين تألفهم. هنالك شعور بالاغتراب، يجعلها تدرك بأنه ما من أحد معها سوى الله.
هذا ما يعلمنا إياه الدين، أن الحياة زائلة. بالنسبة لليلى، فإن ما تمنحك إياه الهوية الدينية هو المزيد من الشعور بالطمأنينة و الاستقرار. إن باستطاعتي أن أحمل «الدين» في قلبي أينما ذهبت، بينما يمكن تجريدي بسهولة من أي شيء آخر ».
والحقيقة أن الشعور بان هناك حياة قد وصلت إلى نهايتها وأن حياة أخرى بدأت تحل محلها كان هو الذي حملها على أن تشرع بالكتابة. تقول «كنت بحاجة إلى التعبير عن نفسي . كان عمري آنذاك 24 سنة وكنت عاجزة عن الحركة أو التقدم في ذلك المكان الغريب، كان بصحبتي صبيان صاخبان، وكان زوجي يعمل في مكان بعيد عن اليابسة، في صناعة تجهيزات النفط.
حياة لم أكن مهيأة لمواجهتها في واقع الأمر.
تتحدث عن«بعثرة الثقة» حال وصولها إلى بريطانيا. «كانت حرب الخليج مشتعلة وكانت الصحف توجه الكثير من الانتقاد إلى الإسلام. كان ذلك يؤلمني. إلا انني تعودت على احتمال هذه الأشياء الآن».
لكن هل تشعر ليلى أبو العلا بأن الوضوح المتزايد للإسلام في الغرب قد انعكس بالفائدة على كتابتها ؟ «على الرغم من أن ذلك لم يغير شيئاً مما أكتبه، إلا أنه كلما توسع الكتاب في التصدي لقضايا الأقليات، أصبح من السهل على الآخرين اللحاق بهم لأن الناس أصبحوا أكثر ثقافة في هذا المجال.
ولو أن هذه الرواية كانت قد نشرت في سنة 1987، لما كان من السهل على الناس أن يدركوا الأشياء التي تدور حولها ». تعتقد ليلى بأن الصورة التي يرسمها الإعلام للإسلام آخذة في التعقيد أكثر فأكثر كما أنها مستمرة في الاختلاف على نحو أكبر. «وبدلاً من الإمعان في تغريبه، فهي تسعى إلى «تعريف القارئ به بشكل أكبر».
لقد دأبت ليلى ابو العلا المولودة لأم مصرية وأب سوداني، على التأقلم مع فكرة التباين الثقافي الذي لا يكاد يدرك . « لقد كنت باستمرار على وعي شديد بمسألة الاختلاف بين الناس. وعندما وصلت إلى بريطانيا، كنت متأثرة بالحياة من حولي. كان السودانيون يعيشون بعيداً عن غيرهم .
أما الآن، وبعد وصول الفضائيات، فإن الأمر يبدو أكثر سوءاً بعدما أصبحوا لا يشاهدون إلا محطاتهم الفضائية. الواقع أن هذا سيعيقهم، وحتى عندما يرجعون إلى بلادهم فإنهم سيتعرضون للصدمة لأن الأوضاع في بلادهم ستكون قد تغيرت ».
رواية ليلى أبو العلا ترشح بمشاعر الحنين التي تسيطر على بطلتها نجوى «إنني، أحوم حول نفسي، أعجز عن التقدم، أنكفئ، ماض مشطوب، تمتمة».
توضح ذلك «إلى حد ما، فإن ما تحتوي عليه الرواية يجسد مخاوفي هذا ما أسعى إلى القضاء عليه . لا أريد أن أبقى متوقفة . لا أريد أن أبقى حبيسة التوق إلى الماضي. أدرك أن هذه المشاعر لا تجدي، خاصة وأن لدي أطفالاً. وقد نشأ هؤلاء هنا وأصبحوا بريطانيين وهكذا ينبغي لي أن أكون أنا بريطانية أيضاً وإلا تخلفت عنهم».
وظيفة جديدة لقد سقطت في هذا العالم. تزحلقت حتى وصلت إلى مكان ضيق تحت سقف منخفض لا يسمح بحرية الحركة. لكنني تعودت عليه في الأغلب. وعلى الرغم من الشعور بأنني بخير في الكثير من الأحيان. حيث انني أرضى بما هو محكوم علي دون إطالة تفكير أو التفات إلى الماضي. إلا أن أي تغيير يحملني على التذكر. والواقع أن الروتين مزعج كما أن البداية الجديدة تجعلني أدرك فجأة ما حل بي، ها أنا ذي أقف في الشارع ملتحفة أوراق الخريف. الأشجار في المنتزه على جانبي الطريق مكسوة باللونين الفضي والنحاسي.أنظر إلى الأعلى فتطالعني مئذنة مسجد ريجنتس بارك بوضوح تتعالى شامخة فوق هامات الأشجار.
تتلاحق أنفاسي متصاعدة كالدخان. اتريث قليلاً قبل أن تمتد يدي لتقرع جرس إحدى الشقق ؛ الرقم مدون في مفكرتي. لقد قالت لي أن الرقم ثمانية. أسعل واشعر بالقلق خشية أن أفعل ذلك أمام مستخدمتي الجديدة، لكي أزرع في قلبها الخوف من أن أنقل الجراثيم إلى طفلها. إلا أنها قد لا تكون من ذلك الصنف القلق. الحقيقة أنني لم أتعرف عليها إلى الآن.
آمل ألا تكون قد نسيتني. أتمنى ألا تكون قد غيرت رأيها وأودعت ابنتها الصغيرة داراً للحضانة أو تكون قد عثرت على أحد غيري. كما أتمنى ألا تكون أمها، التي لا تزال قائمة بدور الحاضنة إلى الآن، قد مددت إقامتها في بريطانيا لكي يكون وجودي غير ضروري. شارع سان جونزود يعج بالحركة.
رجال يرتدون بدلات ونساء شابات يرتدين آخر صيحات الموضة ويقدن سيارات جديدة تأخذهن إلى حيث يعملن في وظائف مناسبة.
عندما يلتقط أحدهم سماعة الهاتف الموجود في المدخل، أتحدث إليه، بصوت تملؤه اللهفة بالأمل، سلام عليكم، أنا معكم، نجوى... إنها تتوقع وصولي، الحمد لله.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}

حنين المهيرة © 2009. تعريب الـطالـب. Design by :Yanku Templates Sponsored by: Tutorial87 Commentcute